"خدم التاج بشرف".. دارتانيان الحقيقي بين صفحات التاريخ الحقيقي وخيال دوما الأدبي
حوّلت السينما العالمية مغامرات شخصية "دارتانيان" الأسطورية إلى ما يزيد على مائة عمل وفيلم رسوم متحركة، مخفية وراءها قصة إنسان حقيقي هو الفارس شارل أوجييه دي باتس.
تُعدّ هذه الشخصية واحدا من أكثر الرموز رسوخا في الثقافة الشعبية العالمية بفضل روايات الكاتب الفرنسي ألكسندر دوما. وقد ظهر البطل في بعض المعالجات السينمائية على هيئة كلب ناطق يتمتع بشخصية ساحرة وجذابة. غير أن التدقيق التاريخي يكشف أن وراء هذه الشخصية الأدبية والسينمائية الجذابة شخصا حقيقيا عاش في الواقع، وهو النبيل والفارس الفرنسي الشهير شارل أوجييه دي باتس دي كاستلمور، والمعروف في السجلات العسكرية باسم "شوفالييه دارتانيان".
من غاسكونيا إلى باريس
تشحّ المعلومات عن طفولة الرجل وشبابه؛ فقد وُلد نحو عام 1613، على الأرجح في قلعة كاستلمور قرب قرية لوبياك في غاسكونيا. وعلى خلاف بطل الرواية المنحدر من عائلة نبيلة فقيرة ذات أصالة عريقة، جاءت أصول شارل الحقيقية ملتبسة ومتشعّبة؛ فجدّه الأكبر أرنو دي باتس كان في الظاهر تاجرا بورجوازيا ناجحا اشترى عقارات سبق أن كانت في حوزة النبلاء، وإن أشارت بعض المصادر إلى احتمال حصوله أو ابنه على لقب "إيكوييه" بفضل منصب بلدي في لوبياك. وتذهب رواية أخرى إلى أن والد شارل نفسه لم يكن نبيلا، وأن النسب الأرستقراطي جاء من جهة أمه فرانسواز دي مونتسكيو دارتانيان.
وقد أوضح المؤرخ إيغور غايفورونسكي أن بطل دوما ينتمي على الأرجح إلى "نبلاء السيف" الذين استمدوا ألقابهم من أجداد عسكريين، بينما كان والد شارل الحقيقي وجدّه من "نبلاء الرداء" الذين نالوا ألقابهم بالمال أو بالخدمة المدنية.
وصل دارتانيان الأدبي إلى باريس شابا في عام 1625، أما شارل فلم يصل إليها إلا عام 1639 وهو في السادسة والعشرين، سنٌّ ناضج نسبيا بمقاييس تلك الحقبة. وكما لاحظ المؤرخ أندريه ميتروفانوف، فإن لقب والده المغمور لم يكن ليُعينه على صنع مستقبل في العاصمة، فتذرّع بنسب والدته للانتساب إلى سرية الطلاب العسكريين في فوج الحرس الفرنسي. وفي عام 1640 أصدر الملك لويس الثالث عشر مرسوما يأذن فيه لشارل باستخدام لقب والدته والتسمي بشوفالييه دارتانيان، فباتت نبالته لا لبس فيها.
المخلص لمازاران لا عدوّه
في مطلع الأربعينيات، شارك دارتانيان الحقيقي في المعارك ضد إسبانيا ضمن صفوف الحرس الفرنسي، ثم انتقل من سرية النبلاء العاديين إلى سلاح الفرسان. وهنا تتجلى إحدى الفوارق الجوهرية بين الحقيقة والخيال؛ ففي روايات دوما يكنّ دارتانيان احتقارا صريحا للكاردينال مازاران، أما في الواقع فكان الكاردينال يُغدق عليه رعايته، ويردّها شارل بولاء لا تشوبه شائبة. رافق دارتانيان آن النمساوية والكاردينال بوصفه ساعيه الخاص للمهام الحساسة، وحين أُرغم مازاران على مغادرة باريس هربا من عداء النبلاء، سار شارل في ركبه دون تردد.
قال المؤرخ ألكسندر تشودينوف معلّقا: "خدم التاج بشرف، وعلى خلاف نظيره الأدبي لم يُقدم على مغامرات مشكوك في انسجامها مع مصالح الدولة، بل نفّذ أعسر مهام الكاردينال مازاران ببراعة وإتقان".
في الخمسينيات، تسلّق دارتانيان سلّم المناصب تدريجيا من ملازم إلى نقيب في الحرس الفرنسي، ثم إلى ملازم ثان في سرية رماة الحرس الملكي. وكان هذا التعيين ذا طابع شكلي، إذ كان الملك يُعدّ قائدا اسميا للسرية وابن شقيق مازاران نقيبا عليها، فصار دارتانيان في الواقع القائد الفعلي لهذه الوحدة النخبوية. وحين بسط لويس قبضته على المملكة، غدا شارل أداته السرية الموثوقة.
أما حياته الشخصية فتبقى في معظمها طيّ الكتمان؛ ولا يُعلم إن كان قد أحبّ في شبابه كما أحبّ دارتانيان الأدبي كونستانس؛ لكنه في عام 1659، وبتوجيه ملكي، تزوج من الأرملة الثرية آن شارلوت كريستين دي شانليسي التي أنجبت له ولدين.
القبض على فوكيه
بلغ دور دارتانيان ذروته في أزمة نيكولا فوكيه، وزير المالية المتنفّذ الذي وجّه أموال الدولة لخدمة مصالحه الخاصة، وفاق بذخه بذخ الملك نفسه، وشيّد حصنا منيعا على جزيرة بيل إيل، وسعى إلى مغازلة مفضّلة الملك، لويز دي لا فاليير. لمّا أمر لويس باعتقاله، كان فوكيه قد هيّأ مسالك للفرار كانت كفيلة، لو نجحت، بإشعال فتيل تمرد كبير في غرب فرنسا. فأحبط دارتانيان مخططه وألقى به في الأسر.
وظلّ شارل سنواتٍ ينقل السجين بين قلاع متفرقة، يضمن حراسته ويرفه عن نفسه في آنٍ واحد، حتى نسج معه، كما يشير ميتروفانوف، علاقة تقترب من الصداقة، مع أمانة مطلقة في نقل كل تفاصيل حياة السجين إلى ذوي السلطة.
جُوزي دارتانيان على هذا الدور بلقب كونت دي كاستلمور، ثم ارتقى إلى قيادة سرية البنادق التي باتت نموذجا عسكريا يُحتذى في عصرها، ولم يكن يرفع تقاريره إلا إلى الملك مباشرة. وفي عام 1667 عُيّن حاكما لمدينة "ليل" جزاء على بلائه في حصارها، غير أن الخدمة المدنية أثقلت كاهله فعاد إلى ميدان المعركة برتبة مشير تعادل تقريبا رتبة لواء في العرف العسكري المعاصر. كان ذلك قراره الأخير؛ إذ لقي حتفه برصاصة خلال حصار ماستريخت في الحرب الهولندية.

لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
ظلّ موقع دفن الجندي الأسطوري مجهولا لعقود، حتى عام 2026 حين اكتُشفت في إحدى كنائس ماستريخت رفاتٌ يُرجَّح أنها رفاته. وقد تحفّظ تشودينوف على المبالغة في الاحتفاء بهذا الاكتشاف، مشيرا إلى أن صحة الرفات لم تُثبَت بعد جنائيا، وأن ثبوتها لن يُضيف شيئا ذا بال إلى الدرس التاريخي.
من مذكرات مزوّرة إلى خلود أدبي
بعد رحيل دارتانيان، أصدر الكاتب غاتيان دي كورتيلز دي ساندراس ما زعم أنها مذكرات الفارس الشهير. وفي القرن التاسع عشر عثر دوما على هذا الكتاب فرأى فيه مادة خاما لسلسلة روايات، مُعاملا التاريخ، على حدّ قول تشودينوف، كـ"مسمار يعلّق عليه لوحته"، فأبقى من الوقائع أدناها وأضاف إليها حكايات من مذكرات بلاطية كقصة قلائد الماس. وهو ما أمّن لأعماله هذا الخلود الطويل.
أما دارتانيان الحقيقي فيمثّل في رأي غايفورونسكي نموذج "النبلاء الجدد" في عصر الملكية المطلقة، حين انتقلت أوروبا من الاتكاء على الإقطاعيين العسكريين إلى بناء آلة بيروقراطية محكمة، وكان أمثاله من أهم الترسين في هذا التحوّل التاريخي.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
" حتى آخر رصاصة".. كيف كشفت الأيام الأولى للحرب الوطنية العظمى فشل حرب هتلر الخاطفة
بدأت الحرب الوطنية العظمى قبل 85 عاما بهجوم مباغت شنته ألمانيا ضد الاتحاد السوفيتي عبر جبهة بيلاروسيا التي تبين أنها الاتجاه الرئيس للهجوم الألماني، خلافا لتوقعات السوفييت.
الأمن الفيدرالي الروسي يكشف وثائق مرعبة توثق تفاصيل إبادة اليهود في دول البلطيق
يكشف جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وثائق أرشيفية توثق تفاصيل عمليات إبادة جماعية طالت السكان اليهود في دول البلطيق إبان الحرب الوطنية العظمى.
من برج "فرولوفسكايا" إلى "سباسكايا".. قصة تسمية أهم أبراج كرملين موسكو
عُرف برج الكرملين الرئيسي لأكثر من 150 عاما باسم "فرولوفسكايا"، قبل أن يصدر القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش قرارا بتغيير اسمه إلى برج "سباسكايا" تيمنا بأيقونة المخلص العجائبية.
موسكو.. من حصن تجاري إلى عاصمة القيصرية
لم تكن مدينة موسكو تتصدر القوى الروسية حين انطلق الغزو المغولي التتري، فكيف تحولت إلى عاصمة للقيصرية؟
كيف تحولت أميرة روسية إلى أيقونة في الريف الهولندي؟
تخيل أنك تقود سيارتك وسط هدوء الريف الهولندي، وفجأة تلمح لافتة تشير إلى قرية تحمل اسما روسيا بامتياز: "آنا باولونا".
التعليقات