مباشر

مونتغمري في مواجهة رومل

تابعوا RT على
شكّلت معركة العلمين الثانية التي دارت في الفترة من 23 أكتوبر إلى 11 نوفمبر 1942 نقطة تحول حاسمة في حملة شمال إفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية.

لم تكن هذه المعركة مجرد اشتباك عسكري آخر في الصحراء، بل كانت لحظة فارقة أعادت ترتيب موازين القوى، ومنحت الحلفاء زمام المبادرة في مسرح العمليات الأفريقي.

الموقع وأهميته

تقع العلمين في شمال مصر، على بعد نحو 100 كيلومتر من الإسكندرية، وقد مثّلت خط الدفاع الأخير للجيش البريطاني الثامن قبل الوصول إلى دلتا النيل. بعد معركة العلمين الأولى، التي دارت من 1 إلى 27 يوليو 1942، استقرت الجبهة، وبدأ الطرفان في حشد القوات والاستعداد لمواجهة حاسمة.

القادة والقوى

قاد القوات البريطانية الجنرال برنارد مونتغمري، في حين تولى المشير إروين رومل، الملقب بـ"ثعلب الصحراء"، قيادة القوات الألمانية والإيطالية في شمال أفريقيا، وكان فيلق أفريقيا الألماني أبرز تشكيلاتها. بحلول أكتوبر 1942، كان الحلفاء يتفوقون تفوقا كبيرا؛ إذ بلغ قوام قواتهم نحو 220 ألف جندي، و1100 دبابة، و900 مدفع، مقابل نحو 115 ألف جندي، و600 دبابة، و500 مدفع لدى قوات المحور. وإضافة إلى التفوق الجوي، امتلك الحلفاء 300 دبابة أمريكية من طراز "شيرمان" نُقلت على عجل إلى مصر، وهو ما منح مونتغمري أفضلية حاسمة في القوة النارية.

مسار المعركة

اتسم هجوم الحلفاء في أيامه الأولى بالبطء وكثرة الخسائر، بسبب حقول الألغام والمقاومة الشرسة. في 2 نوفمبر، انطلقت "عملية سوبر تشارج"، وهي ضربة حاسمة مدعومة بالمدفعية والقوة الجوية، فأدى ذلك إلى بدء تراجع القوات الإيطالية والألمانية. ثم أصبح تراجع قوات المحور أمرا لا يمكن وقفه؛ ففي نوفمبر استولى الحلفاء على طبرق وبنغازي، تلتهما طرابلس في يناير 1943، وفي مايو 1943 استسلمت القوات الإيطالية والألمانية المحاصرة في تونس.

النتائج والخسائر

بلغت خسائر المحور أكثر من 55 ألف فرد بين قتيل وجريح وأسير، في حين بلغت خسائر الحلفاء نحو 20 ألف فرد. مثّلت المعركة أول انتصار كبير يحققه الحلفاء على القوات البرية الألمانية منذ اندلاع الحرب، ونقلت زمام المبادرة بشكل حاسم إلى جانبهم. وصف ونستون تشرشل هذا الحدث بأنه "ليس النهاية، بل ربما بداية النهاية".

مقارنة القائدين

عند مقارنة القائدين، يُلاحظ أن مونتغمري كان من أنصار التخطيط الدقيق والمفصل، وأولى اهتماما بالغا بالتحضير وتنسيق كافة أفرع القوات المسلحة، مثل المدفعية والمدرعات والقوة الجوية، مع الحرص على الحد من خسائر قواته. ارتكزت استراتيجيته في الغالب على تحقيق تفوق ساحق في القوات والعتاد، لإرهاق العدو واستنزافه عبر الهجمات المباشرة.

في المقابل، كان رومل خبيرا تكتيكيا بارعا، اعتمد في قيادة قواته أكثر على الحدس والعفوية، وبرع في توظيف قدرة الوحدات المدرعة على الحركة، وسعى إلى تحقيق اختراقات ومناورات سريعة، معتمدا في الغالب على خبرته و"حسه" القتالي الميداني.

مونتغمري وصناعة النصر

أما مونتغمري، فقد كان انتصاره في معركة العلمين الثانية حجر الأساس لسمعته؛ فبعد سلسلة من الهزائم البريطانية، تولى قيادة الجيش الثامن، وعمل على رفع الروح المعنوية وتعزيز الإمدادات، ثم حقق انتصارا حاسما على رومل. اشتهرت مقولة تشرشل: "قبل العلمين لم نحقق أي انتصار، وبعد العلمين لم نُمنَ بأي هزيمة"، وهو ما جعل مونتغمري بطلا قوميا في بريطانيا.

حتى عملية "ماركت غاردن" الفاشلة في هولندا لم تقض على سمعته. كانت تلك العملية في سبتمبر 1944 فشلا ذريعا، وأفضت إلى تدمير الفرقة الأولى المحمولة جوا البريطانية في مدينة أرنهيم الهولندية. على الرغم من أن الفشل أضرّ بصورة مونتغمري وأثار جدلا واسعا، فإنه لم يُنه مسيرته أو يقض على سمعته.

من جانب آخر، حرص مونتغمري على كسب ود الصحافة، واعتاد ارتداء قبعته العسكرية المميزة "البيريه"، وأظهر ثقة كبيرة بالنفس، مقدما نفسه في صورة الجنرال المنتصر. بعد الكوارث التي مُنيت بها بريطانيا في بداية الحرب، مثل دونكيرك وسنغافورة وطبرق، كانت بريطانيا في حاجة ماسة إلى بطل عسكري منتصر؛ وقد جسّد مونتغمري هذا الدور، وحظي بدعم تشرشل ووسائل الإعلام.

رومل ونهاية أسطورة الصحراء

رومل، ثعلب الصحراء، الذي برزت موهبته العسكرية منذ أن كان شابا خلال الحرب العالمية الأولى، فقد خسر معركته الحاسمة في شمال أفريقيا في ظروف قاسية؛ إذ توقفت التعزيزات ونفد الوقود، وباتت قواته أشبه بفلول تائهة، خاصة بعد تدمير معظم قوات الجيش النازي على الجبهة الشرقية في الاتحاد السوفيتي. هكذا، انتهت أسطورة رومل في الصحراء، بينما خرج مونتغمري من العلمين كأحد أشهر قادة الحلفاء في الحرب.

لم تكن العلمين الثانية مجرد معركة صحراوية، بل كانت حدثا استراتيجيا ونفسيا بالغ الأثر، فقد أوقفت تقدم المحور نحو مصر، وحمت قناة السويس، ومنحت الحلفاء قاعدة انطلاق نحو تحرير شمال أفريقيا. كما أنها صنعت صورة مونتغمري كقائد منتصر، وأظهرت حدود عبقرية رومل عندما تنقصه الإمدادات والظروف المواتية. لهذا تظل العلمين الثانية علامة فارقة في تاريخ الحرب العالمية الثانية، ومثالا على كيف يمكن للتفوق اللوجستي والتخطيط الدقيق أن يحسما معركة كبرى.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا